الصعوبات فى الترجمة الأدبية (الجزء الثاني) ⋆

الصعوبات في الترجمة الأدبية

استكمالاً للمقال السابق الذي تناولنا فيه الصعوبات التي تواجه المترجم أثناء ترجمة النصوص الأدبية، وهنا يجب التفريق بين ترجمة ونقل المعنى الذي تشير إليه الألفاظ وبين المعنى الأدبي الذي لا يمكن تجريده من الشكل الفني الخاص بالعمل، وقد جعل الدكتور محمد عناني في كتابه (فنّ الترجمة) فصلاً كاملاً للحديث عنه، نظرًا لصعوبة الترجمة الأدبية، ولأنها أكثر أنواع التخصصات في الترجمة التي توجد لها عقبات كثير عند ترجمتها، ويرجع ذلك إلى اختلاف الثقافات بين الدول، ومنها ينقل الكاتب أعماله الأدبية، فإن النصوص الأدبية ليست مثل النصوص العلمية ولا القانونية التي توجد لكل مترادفة منها مقابل في أي لغة.

وما زلنا أيضًا مع كتاب دكتور محمد عناني (فن الترجمة)، واستكمالاً لحديثه عن الترجمة الأدبية والغايات المنشودة منها، يوضح لنا في كتبه عامة، وفي كتاب الترجمة الأدبية النظرية والتطبيق خاصة، بعض الجوانب والزوايا التي قد يغفل عنها المترجم عادة في ترجماته التي تعتمد على الإحالة وكشف دلالات الألفاظ مع إهمال الركائز المعنوية أو المغزى والتأثير الذي يتوخى الأديب إحداثه في نفس القارئ، فالنص الأدبي من حيث بنيته المعقدة وتفرده بخصائص جوهرية تحدد ماهيته ضمن نوع من الأنواع الأدبية يصير من المُحال نقله بدقة إلى اللغة الهدف دون الإحاطة ببعض الجوانب من المعرفة، كالإلمام بالمبادئ الأولى للفنون البصرية والسّمعية، مثل توافق الألوان والأشكال أو تفاوتها وتناقضها، ومغزى الاتساق في الصوتي المخارج والإيقاعات، والحس الموسيقي بصفة عامة، ومغزى التكرار وأنواعه وألوانه، ودلالات المجاز والكناية والأمثال الشعبية والحكم التراثية والقيم الدينية والعادات الاجتماعية.

ومن تلك الصعوبات التي يواجهها المترجم صعوبة ترجمة الألفاظ، وخصوصًا المجردة منها وهي التي تحمل معانيها العواطف والأفكار والانفعالات، وذلك لأن هذه الألفاظ تحتمل أكثر من معنى واحد، وهو الأمر الذي قد يجهله المترجم، وتكون هنا في النص تشير إلى لفظ بعينه، فضلاً عن النصوص المتباينة واستعمالات الألفاظ في سياقات تستوعب من المعاني المختلفة الكثيرة، وقد تكون حمالة أوجه قريبة مثل النص الإنجليزي الذي أورده الدكتور:

asked about civilian victims the commander cynically replied a regular harvest» pressed to explain why no had been made to reduce civilian losses he shrugged his shoulders and smiled mysteriously perhaps one had to be cynical to win a «war.6

ومن تلك العبارة يتضح لنا أن هناك مشكلة جعلت معاني اللفظ تتداخل وتشتبك ببعضها البعض، لكن الفروق تظل موجودة دائمًا. والخطأ هنا نشأ من أن المعاني في المعجم الذي يصور للمترجم أن لكل كلمة مقابلاً في اللغة الأخرى، وهذا هو الفخ الكبير لكثير من المترجمين الذين يتصورون أن عملية الترجمة مجرد نقل الألفاظ من لغة إلى أخرى، وقد وصل أمر الاختلاف ذلك أيضًا إلى المجردات الحديثة مثلما وصل إلى المجردات القديمة.

ولتوضيح هذه النقطة أكثر سوف ننقل بشكل مبسط ما أوضحه الدكتور محمد عناني في هذه المسألة:

 إن فن السخرية أو الكتابة الساخرة مثلاً يوجد في أنواع أدبية كثيرة وفنون مختلفة في أوروبا، ولم يكن له وجود لدينا في الثقافة العربية، ففن الكاريكاتير يتضمن سخرية مصدرها تضخيم بعض صفات الشخص أو الموضوع، وكذلك فن البيرليسك الذي يتمثل في المحاكاة الكاريكاتورية التي تهدف إلى السخرية.

وأيضًا عن ترجمة تلك الألفاظ التي تخص المجسدات وبها من الصعوبات ما هو أقل شأنًا من المجردات، وترجع تلك الصعوبة هنا إلى ذلك الاختلاف الحضاري بين الثقافتين اللتين يترجم منهما وإليهما المترجم، وعلى سبيل المثال ما هو موجود في العالم الأول من تطور تقني وحضاري ورقي صناعي وعلمي قد لا يستوعبه وعاء دول العالم الثالث إلا بالتدريج، وتكون المشكلة أكثر تعقيدًا عند وجود تلك المميزات التي تحدد هوية الثقافة الأجنبية المهيمنة تلك، وهذا ما تفتقر إليه الدول الصاعدة ودول العالم الثالث، فبالإضافة إلى أن هذه البيئات الطبيعية التي هي مظهر من مظاهر المجسدات تختلف اختلافًا بيِّنًا عنها في دولنا العربية، ورغم وعي المترجم بها فإنه أيضًا يجد صعوبة في توصيلها إلى أذهان الناس.

وهذه الصعوبة تناولها محمد ديداوي أيضًا، فإنه قال في كتابه:

«وقد تكون الكلمة أحيانا مثارًا للجدل والخلاف، مثلما حدث حول الاتفاقية الرباعية حول مدينة برلين. وأجل إبرام هذه الاتفاقية بسبب الاختلاف على ترجمة كلمة أي دخول، ولوج، وصول…».

من بين أهم تلك الأسباب والمشكلات أن في حالة ترجمة التراكيب البلاغية الإنجليزية -مثلاً إلى اللغة العربية- نجد اختلاف هذه التراكيب عن محسناتنا المعنوية والبيانية والبديعية؛ وذلك لأن اللغة الإنجليزية تعتمد في قواعدها على ترتيب الكلمات في الجملة لإخراج المعنى، بينما تتمتع وتعتمد اللغة العربية في بنائها لتلك التراكيب اللغوية مثل ما تعتمد اللغة اللاتينية على التمتع بحرية أكبر في البناء.

يُتبع..

Share Button

عن الكاتب

شركة بيكسلز سيو – تختص بمجال كتابة المحتوى العربي وترجمته على شبكة الإنترنت. يمكنك التواصل معنا مباشرة من خلال هذا البريد: info@pixelsseo.com أو من خلال هذا الهاتف واتس اب : 00201284751116